سورة الفتح

سورة الفتح 29

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)

إن القرن الإسلامي الأول كان خير أمة أخرجت للناس، وذلك لوجود الرسول والسابقين الأولين فيهم، وقد نجح هذا القرن في أداء كل ما نيط به من مهام على خير وجه ممكن وحفظ الله به الكتاب وأسس به للإسلام دولة ونشر به الإسلام في قلب العالم المعمور.

لذلك ينبغي النظر بإجلال وإكبار إلى أفراد هذا الجيل المفعم بالقوة والحيوية والإيجابية، هذا مع العلم بأنه كان لابد من أن يشوب ذلك بعض الآثار الجانبية من احتدام التنافس وبقاء الكثير من آثار الجاهلية، ولكن هذا الجيل كان صادقا مع نفسه ينهض للدفاع عما اقتنع به، ولم يكن للمخالفات التي صدرت عنهم ولا للنزاعات التي نشبت فيما بينهم من أثر حاد على انتشار المد الإسلامي، إذ سرعان ما كانت الأمة تنهض من كبوتها وتستأنف مسيرتها، لذلك ينبغي الاستغفار لمن أخطأ أو تنكب الطريق أو فتنته الدنيا.

أما تحول الخلافة ذات الطابع شبه الديني إلى ملك عضوض فلم يكن منه بدّ نظرا لطبيعة النفس البشرية وطبيعة العصر الذي عاشوا فيه، كان أكثر الناس لما يؤمنوا، وبالتالي لم يستطيعوا تقديم صورة مقبولة عن الإسلام للناس، ولقد كان معاوية زعيم الفئة الباغية والداعين إلى النار هو -رغم كل شيء- أفضل السيئين لإنجاز ذلك التحول بأقل قدر ممكن من الخسائر على الإسلام والمسلمين، ولو تم ذلك على يد آخرين مثل ابنه يزيد اللعين أو مروان بن الحكم (مضروب القفا بن الوزغة طريد الرسول) لذهبت ريح المسلمين.

ويجب القول مع ذلك بأن معاوية يتحمل وزر ابنه هذا فهو الذي حمل الناس على توليته بالقهر والإرهاب والرشوة، كما أنه يتحمل أوزار تمزيق الأمة وتفريق الدين إلى يوم الدين، وكذلك يتحمل أوزار من عبدوا ويعبدون نعله إلى الآن، فيزيد اللعين ومروان ليسوا إلا سيئات كبيرة ومهولة في سجل معاوية الحافل.

والعترة النبوية، أي أهل الكساء، هم الذين يمكن اعتبارهم شخصيات دينية، هم وكل من انحاز إليهم، وصدق العهد معهم، أما كل مسلمي القرن الأول من دونهم فهم شخصيات تاريخية، يجب أن يُنظر إليها على هذا الأساس.

فلا يجوز أن يُستعمل التاريخ لاستمرار تمزيق الأمة وتفريق الدين، والمسلمون ليسوا مأمورين تجاههم إلا بأن يستغفروا لمن سبق بالإيمان منهم وبألا يحملوا لهم غلا في قلوبهم.

نعم، إن المسلم مأمور بأن ينظر في عواقب من سبق، ولكن ذلك إنما هو لأخذ العبرة مما حدث لهم أو حاق بهم، ولاستخلاص السنن الكونية الخاصة بالمخيرين.

ولكن لا يجوز الانشغال أكثر مما يجب بأمورٍ تاريخية، ولا يجوز أن يجعل الإنسان غاية أمره ومبلغ علمه مثل هذه الأمور، ولا أن يجعلها جزءا من الدين، ولا أن يشعل الفتن بسببها.

***

إنه من الخطأ أن يطالب المرء أفراد الجيل الإسلامي الأول بأن يفكروا بنفس الطريقة التي يفكر بها الآن خاصة بعد أن اكتسب هذا القدر من العلوم والمعارف والخبرات التي تراكمت على مدى القرون، وكذلك المعرفة بعواقب ما صدر عنهم من أفعال على المدى البعيد، ولكن ليس عليه من حرج في أن ينظر إلى ما صدر عنهم على ضوء العلوم والمعارف القرءانية الثابتة والراسخة التي يطالب بها كل من آمن بالله وكتابه المنزل وكذلك على ضوء حقائق التاريخ الدامغة، ولكن الحرج هو في تقديسهم واتخاذهم أربابًا من دون الله ولو بلسان الحال، وإن الغلو في أمرهم لمن دواعي الخطأ في حقهم، لقد كانوا جيلا عاش في ظروف شديدة عصيبة، وشهدوا أحداثا متلاحقة وتقلبات رهيبة، وكان عليهم أن يواجهوا كل ذلك وأن يتكيفوا معه وأن يتصرفوا في كل المواقف بما يتفق مع ما تعلموه وآمنوا به متأثرين بلا ريب بآثار العوامل الذاتية والقبلية والتراثية ومقتضيات العصر وسقفه الحضاري والثقافي، والرأي الأمثل أن يتأدب الإنسان معهم إجمالا وخاصة السابقين الأولين منهم وألا ينتقد إلا أفعالهم إذا كان ثمة غرض شرعي يوجب ذلك، ذلك لأن حق الله تعالى أولى بالاحترام والإجلال، ولكن هذا لا يوجب الالتزام بالحياد فيما نشأ من صراعات بين من صدق ما عاهد الله عليه ولم يبدل تبديلا وبين أهل البغي المرتدين على أعقابهم ومن فتنوا بالدنيا، هذا بالإضافة إلى أن الدفاع عن معاوية وأمثاله ينطوي على المساس بمن هم أفضل منه بما لا يقاس مثل الإمام على وأبى ذر وعمار بن ياسر وقيس بن سعد …..الخ، وكل هؤلاء أفضل وأكرم من معاوية بنص القرءان، كما أن قبول كلام أبى هريرة لما سأله الناس عن سبب إكثاره من رواية أحاديث عن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ في حين لم يفعل ذلك من هو خير منه ينطوي على إساءة بالغة للسابقين الأولين إذ يتضمن اتهامهم بعدم معرفة قدر نبيهم وبالزهد في لقائه والتلقي منه والتحديث عنه.

ومما لا شك فيه أن أكثر الخطب الجامعة النبوية وكثيرا مما رواه الخلفاء الراشدون وغيرهم من السابقين الأولين قد اندثر ولم يخلف أدنى أثر، لذلك فإن الموازين والمناهج المنصوص عليها أو المستنبطة من القرءان وحده تختلف عما يمكن استخلاصه من المرويات الظنية والتي لم تدون في وقت وقوعهـا ولم يرد أبدا نص صريح قاطع يأمر بتدوينها.

***

لا تزال البشرية إلى الآن تتعجب من الكيفية التي استطاعت بها أمة قليلة العدد والعدة وبمعزل عن مجرى الحضارة العالمية، وهي القرن الإسلامي الأول، أن تهزم إمبراطوريتين أعرق حضارة وأكثر عددا وأقوى عدة هزائم مدوية ترتب عليها نتائج حاسمة ودائمة، لذلك يجب العلم بأن تلك الأمة كان تتميز بما يلي:

1- كانت تحمل رسالة أكثر تقدما وعقلانية هي الدين الخاتم الذي تعهد الله تعالى بأن يظهره على الدين كله، وهذا الدين يكفل لمن يعتنقه أن يكون أرقى مرتبة من غيره لفقهه الأعظم لقوانين الوجود وسننه ولمناسبة الدين الأفضل للفطرة البشرية.

2- لأن تلك الرسالة كانت تتضمن الحقائق العظمي الصافية بينما لم يكن لدى الآخرين إلا قليلا من الحقائق مختلطة بكثير من الأوهام والأباطيل.

3- لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَبنفسه هو الذي تولى تربية تلك الأمة وتزكيتها، ولقد أعدها خير إعداد للقيام بالرسالة المنوطة بها و درب أفرادها ليكونوا قادة على المستويين التكتيكي والاستراتيجي على مدى فترة البعثة كما أعدهم من قبل وزكاهم ليكونوا راسخي العقيدة وعلى ثقة من وعود ربهم، ويجب القول بأن الأميين كانوا من قبل في ضلال مبين كما وصفهم الكتاب العزيز على كافة المستويات، فالنجاح في تحويلهم إلى تلك الصورة هو من دلائل عظمة النبي الأمي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ.

4- لقد كان الفرد العربي حيَّا إيجابيا فعالا ذا ملكات فردية واضحة ومتميزة عاشقا للحرية فكانوا بذلك أفضل بكثير من تلك الأمم الأعرق حضارة التي اختفت الفردية فيها ولم تعد قادرة على إنتاج أفراد أفذاذ وإلا فليذكر المتعنت اسم أي فرد حقيقي يمكن أن يعتد به في ذلك الوقت الذي افتتح فيه العرب تلك الممالك في حين يكاد التاريخ يسجل أسماء كل من شارك في الفتوحات الإسلامية.

5- الحالة السيئة والبائسة التي كانت عليها شعوب منطقة الشرق الأدنى وكذلك حالة المتسلطين عليهم؛ فالظلم والبغي والطغيان هي أعباء ينوء بها كاهل الظالم قبل المظلوم.

قبيل ظهور الإسلام كانت الشعوب العريقة في تلك المنطقة قد استنامت للاستعباد الفارسي أو الروماني وفقدوا حريتهم من قديم كما فقدوا مجرد الرغبة في استعادتها، وكان لابد من العاصفة العربية لتستيقظ تلك الشعوب وتعود لها قدرتها على الإبداع وإنتاج الحضارة وهو ما حدث بالفعل، ويجب العلم بأنه في هذا العصر لم يعد لدي الشعوب القديمة من مجال لتستثمر فيه طاقاتها الخلاقة إلا في الصراعات العقائدية العقيمة والتي هي قضايا جوفاء ومفتعلة وبلا أدنى مدلول والتي لا يمكن لأي إنسان أن يحسمها أو أن يجني من ورائها شيئا، ولقد سفكت دماء أعداد هائلة من المصريين على أيدي البيزنطيين بسبب محاولة هؤلاء فرض نظريتهم في طبيعة السيد المسيح على المصريين رغم أن الإنجيل لم يتعرض لهذا الموضوع أصلا ولم يطالب الناس بشيءٍ ما بخصوصه، ويلاحظ أن أوروبا لم تتقدم إلا بعد أن ألقت بأعباء تلك المقولات والمعتقدات والدوافع إليها عن كاهلها.

ويمكن القول بأن الذي استفاد أساسا من العاصفة العربية هم الشعوب العريقة إذ تم تجديد دمائهم وعادت إليها الرغبة في الحياة والإنتاج والإبداع وسرعان ما استقلت تلك الشعوب، أما عرب الجزيرة فلقد عادوا إلى ما كانوا عليه أي أصبحوا مهمشين حضاريا كما كانوا بل وتدهورت اللغة التي يتخاطبون بها ولولا كتاب الله لاندثرت.

وهكذا ثبت أن الله سبحانه هو الذي صان تلك اللغة من قبل حتى ينزل بها كتابه، أما عرب الجزيرة فلم يظهر فيهم من بعد شعراء كشعراء الجاهلية بل وأصبحوا يتكسبون بالسطو على قوافل الحجيج، هذا في حين عاد الازدهار إلى مواطن الحضارات القديمة في مصر والعراق والشام وفارس والهند بل وتأسست وازدهرت مراكز حضارية جديدة في الأندلس ووسط آسيا, ولقد استنبطت وكتبت كل العلوم والمعارف الدينية واللغوية في تلك المراكز، ويلاحظ أنه من قبل الطفرة البترولية لم تتأسس مساجد في جزيرة العرب تضارع ما كان في الأقاليم الإسلامية الأخرى باستثناء الحرمين الشريفين والذين تكفل بعمارتهما الأسر المالكة في مصر ثم العثمانيون من بعد بحكم توليهم مسؤولية العالم الإسلامي.

***

إن تلك الآية ليست للإشادة فقط بتلك الفئة القليلة من السابقين الأولين ولكنها توضح المواصفات اللازمة لمن أراد أن يدخل في المعية المحمدية إلى يوم الدين، فالقرءان إنما أنزل لينتفع به الناس أجمعون.

***

صفات من يستحقون شرف المعية المحمدية

قال تعالى:

{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:29]

آية الفتح 29 توضح صفات من يستحقون شرف المعية المحمدية وهي مرتبة متاحة لكل مؤمن إلى يوم القيامة، ولكن الدين الأعرابي الأموي قائم على إبطال رسالة الدين القيم؛ دين الإخلاص والولاء لربّ العالمي، فالدين الأعرابي الأموي قائم على تكريس الشرك وجعل الدين تقديس وعبادة لبعض الأشخاص، وعلى أن القرءان ليس إلا قصيدة مدح لأربابهم وقصيدة هجاء لأعدائهم.

وأتباع الدين الأعرابي الأموي مبرمجون على التأويل السيئ لآيات القرءان؛ أي التأويل ابتغاء الفتنة وابتغاء إحباط مقاصده، واستعماله ضد نفسه، وضد قيمه وسننه.

فمن أراد تلك المرتبة فيجب أن تكون فيه الصفات التالية:

1. أن يكون شديدا على الكفار فلا يواليهم ولا يميل إليهم وأن يقدم حق الله تعالى على كل أمر آخر، والكافر هو من بلغه الحق البلاغ المبين فأصر على كفره والعمل بمقتضى كفره، أي بالإصرار على التصدي للإيمان والمؤمنين وفتنتهم في دينهم مثلما كان حال كفار قريش والأعراب.

2. أن يكون رحيما بالمؤمنين، وهذا يستبعد من شرف تلك المعية أهل الجور والبغي والظلم وسفاكي دماء المؤمنين وناهبي أموالهم والواقعين في أعراضهم والآمرين بسبهم.

3. المحافظة على الصلوات فيُرَوا ركعا سجدا فهم يظهرون خضوعهم لله تعالى وإخباتهم التام له ويفخرون بذلك.

4. يبتغون فضل الله تعالى ويحرصون على رضوانه.

5. يشيعون جوا من التقوى والطهارة والإيمان حولهم بما يبدو عليهم من أمارات الصلاح، وهذا يستبعد المجاهرين بالمعاصي ويستبعد أيضا السلبيين الذين لا ينتفع بثمار أعمالهم إلا هم وكذلك من يتعمدون إظهار المعاصي سترا لصلاحهم.

6. أن يكونوا غيظا للكفار بصلاحهم وتقواهم وقوتهم وتفوقهم.

7. وبعد كل هذا فلا بد من الحفاظ والتمسك بالإيمان والعمل الصالح.

وليس من حق أي إنسان أن يحدد لآخر من هم أصدقاؤه ومن هم أصحابه ومن هم خلانه ومن هم إخوانه، إن ذلك حق لا يملكه الإنسان إلا لنفسه، وهكذا فليس من حق إنسان ولد بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بمائتي عام أن يحدد له وللمسلمين من كانوا أصحابه ويضع لذلك من القواعد والأسس ما يحلو له حتى يدخل في هؤلاء الصحابة الأعراب والمنافقين والفاسقين ....الخ، فليس من حق أحد أن يحدد للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ صحابته خاصة إذا ما رتب على ذلك شرائع وأحكاما دينية يلزم بها الناس إلى يوم الدين، إن مسلكهم هذا يتضمن ضربا من التطاول على الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ والتقدم بين يديه والتزكية على ربه وعليه، وإذا كان الرسول قد استخدم هذا الوصف للإشارة إلى بعض السابقين الأولين من المهاجرين فإنه وصف به أيضًا رأس المنافقين، بل وصف به من هموا باغتياله عند عقبة تبوك.

فهو لم يخرجه أبدًا عن معناه اللغوي، بل إنه عندما أشار عليه عمر بن الخطاب بقتل رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول قال: (فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)، هذا بالإضافة إلى أن كل مصطلح شرعي أو ديني يجب أن يستخلص من القرءان وحده، وهذا حكم قاطع وأمر لازم وهو الذي تحتمه طبائع الأمور ولا علاقة له بما شاب أمر تدوين المرويات من أمور معلومة، ومن المعلوم أن الكتاب العزيز لم يستعمل هذا اللفظ خارج معناه اللغوي أبدا.

ويجب القول بأن الإنسان قد يكون مهتديا وقد يؤتيه الله تعالى آياته ثم ينسلخ منها أو قد ينقلب على عقبيه ولقد صح عن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أن بعض أهل القرن الأول سيحدثون بعده ما يستحقون به النار، ولقد حذرهم من أن يرجعوا بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض، ولم تمض إلا سنوات قليلة إلا وقد ضرب بعضهم فعلا رقاب البعض، ولقد كان بعض أهل القرن الأول في جيش زعيم الفئة الباغية، ولقد فتن بعضهم بالدنيا وتنافسوا فيها، ولقد تخلى أكثرهم عن الإمام عليّ (عليه السلام) وخذلوه ومكنوا بذلك لمعاوية من إحداث انقلابه الذي كاد يقضى به على الإسلام والذي تسبب من بعد في القضاء على بقايا خير أمة أخرجت للناس، ولقد ثبت أن كثيرا من مسلمي القرن الأول كانوا في ضلال مبين ثم اهتدوا ثم فتنوا بالدنيا فضلوا ومنهم من بغى من بعد ومنهم من أقر بذنوبه مثل عمرو بن العاص وتخلى عن كل ما له وطلب من ربه الصفح والمغفرة، ومنهم من مات مصرا على بغيه وظلمــه بل ودبر الأمر بحيث يستمر ظلمه من بعده.

*****