سورة يونس

سورة يونس 7-8 أ


{إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8)} يونس

توضح الآيات مجموعة من الصفات التي يجب أن يتطهر الإنسان منها، وهي:

1. ألا يرجو لقاء الله بمعنى أن يكون في غفلة عن سمات الله تعالى وحضوره وعن اليوم الآخر، أو أن يكون رافضًا الإقرار بإمكانية البعث أصلا.

2. الرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان بها، وذلك بأن ينشغل بها تماما وأن يحتجب بها عما وراءها فيغفل عن اليوم الآخر.

3. الغفلة عن آيات الله تعالى، فهو ينظر إلى الظواهر الطبيعية ولا يتطلع إلى ما تشير إليه وما تدل عليه من الأسماء الإلهية، وهو غافل أيضًا عن آيات الله الكتابية.

كل هذه الصفات تقود صاحبها حتما إلى النار، ذلك لأنه سيحيى وفقها ويعمل بمقتضاها، فترتد عليه آثار ذلك وفق نسق من السنن لا تبديل له ولا تحويل؛ فيكتسب ما يستحق بأن تكون النار مثوىً له.

*******

تقرر الآيتان أن الغفلة عن آيات الله تعالى تؤدى بالضرورة إلى اكتساب الإنسان ما يجعل النار هي المأوى الطبيعي له وهما تتحدثان عن الإنسان ككائن ذي إرادة حرة واختيار وتنسبان أفعاله إلي نفسه وترتبان عليها آثارها اللازمة، والآيات طبقا لاصطلاح القرءان هي آيات الكتابين المقروء والمشهود، فالغفلة عن آيات الكتاب المقروء هي بسبب هجران الكتاب العزيز إلى ما هو من دونه أو بالانشغال بما كتبه الأسلاف عما يمكن أن تعطيه الآيات من معان جديدة في كل عصر، وهي أيضا الانشغال بتجويد تلاوته عن النظر في آياته وتدبرها وتزكية النفس بها.

أما الغفلة عن آيات الكتاب المشهود فهي بسبب عدم رؤية أن الظواهر الطبيعية والكيانات هي آيات إلهية أصلا وللجهل بما يحكمها ويسرى عليها من القوانين والسنن، أو لإنكار استناد كل ذلك إلى الله تعالى.

إن الرضى بالحياة الدنيا والاطمئنان بها يدل على قصور الهمة واستفحال الجهل إذ كيف يرضى الإنسان بالحطام أو يحاول التشبث بالفناء أو الإمساك بالسراب؟ والأمور المذكورة مترابطة، فالزاهد في لقاء الله تعالي لا يعرف شيئاً عما لديه من السعادة والنعيم ولا يعرف أنه مصدر كل كمال وأنه هو الذي خلق الظواهر الطبيعية واقتضي ما يحكمها من السنن، ولذلك اشتد افتتانه بالدنيا ورضاه عنها واطمئنانه إليها إذ لم يقم وزنا إلا لما ظن أنه في متناول حواسه.

إن الزاهد في لقاء الله لن يعرف السعادة الحقيقية أبدا، وسيخيب أمله كلما نجح في الاستحواذ على ما يتصور أن فيه سعادته من متاع الدنيا القليل الذي سرعان ما تملُّه النفس.

والزاهد في لقاء ربه الغافل عن آياته هو يتصرف بالضرورة بمقتضى ذلك ويعيش بمقتضى ذلك، فمثل هذا لن ينتفع بأعماله على المستوى الجوهري، بل سيستمر تدهور كيانه الجوهري فيُعذَّب بذلك على هذا المستوى في الدنيا، ولا يخفف عنه هذا العذاب إلا حجابه المخدر الجسدي، فإذا ما انخلع منه ستضربه وتعذبه الآلام الناتجة عن هذا التدهور.

*****