حرف الدال

الدين

كلمة "الدِين" هي من الفعل "دان، يدين" خضع وذلَّ"، وهو ما يتديّن به الإنسان، ويدين به من اعتقاد وما يلزم به نفسه من سلوك؛ فهو جماع ما يعتنقه من تصورات ومبادئ وأفكار، وما يقوم به بمقتضى ذلك.

أما الدين من الناحية اللسانية فهو العادة والشأن، والتدين: الخضوع والالتزام والانقياد، ويتضمن المكافأة والجزاء، أي يجازى الإنسان بفعله وبحسب ما عمل عن طريق الحساب، ومنه صفة الديّان التي تُطلق على الإله الخالق، من حيث أنه الذي يفصل في الأمور الدينية، ويقضي بين عباده طبقًا لها.

ومن انتمى لأي سبب من الأسباب إلى دينٍ ما، يقال إنه دانَ به، أو تدين به، ويكون متديّنا إذا التزم في أمور حياته بما يقرره دينه، فهذا السلوك هو التديّن.

فجوهر الدين يتمثل بالطاعة والانقياد، وهذا مرتبط بالجزاء والحساب، فالإنسان ليس متروكًا سُدى، وكل ما يلزمه به دينه هو أوامر من ربه وخالقه، والعمل مقتضى ذلك هو الطاعة والعبادة، ورفض العمل بذلك هو المعصية.

ومفهوم الدين يتضمن القيام بالقسط والحكم بالعدل، لذلك يرتب الدين على موقف الإنسان من أوامره أحكاما وجزاءات، فهو لا يسوي بين الطائعين والعاصين.

ومفهوم الإله في الأديان الإبراهيمية؛ أي بالأحرى الإسلام بمفهومه العام، يتضمن أنه يحكم على الناس وبين الناس، كما يقضي ويفصل بينهم.

وهو في دين الحقّ أحكم الحاكمين وخير الحاكمين، والحكم هو بالأصالة له، وقَدْ أَرْسَل رُسُلَه بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَل مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وهو يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، ويلع الظالمين ويتوعدهم بأشد العذاب.

فالدين يتضمن جماع ما يدين به الإنسان للإله الخالق، فمما لا ريب فيه أن الإنسان لم يكن شيئا مذكورا، ثم خُلِق ووجد نفسه مزودا بما يتفوق به على كل دواب الأرض، فهو مدين بذلك لربه، وعليه أن يسعى للوفاء بدينه بالإيمان به وعبادته وطاعته.

والدين يقدم إجابات عامة على الأسئلة الإنسانية الكبرى، ولكن ليس كأفكار ومقترحات قابلة لإعادة النظر، وإنما كعلوم وحقائق ثابتة يجب الإيمان بها، والمتاح للإنسان النظر فيها لفقهها وعقلها، وليس لتفنيدها أو إنكارها.

كما يقدم الدين للإنسان منظومة من الأخلاق والقيم، يجب على الإنسان أن يتخلق بها، وأن يعمل بمقتضاها، ويجعل ممن يتحقق فيه ذلك مثلًا يجب التأسي به.

فالدين يتضمن جماع الحقائق التي توضح مكانة الإنسان في الكون والمهام المنوطة به طبقًا لذلك.

وللتدين مظاهره العملية وطقوسه عند المتدينين، والمقصد منها تنميط المتدينين إلى دين معين وقولبتهم وتوحيد مقاصدهم وتوجهاتهم.

*****

مفهوم الدين في دين الحق

لكلمة الدين مفهومها العام والمتداول، وللدين تعريفاته التي قد تختلف لدى الفلاسفة والأكاديميين والمتدينين، ومن حيث أن الدين له علاقة وثيقة بطبيعة النفس البشرية، وهي شديدة التعقيد متعددة الجوانب، فقد توجد أديان بعدد البشر أنفسهم، فلا يمكن أن يتطابق ما لدى إنسان من علم عن الأمور الدينية مع ما لدى إنسان آخر تطابقًا تاما، وأبسط مثال لذلك ما لدى كل إنسان من مفهوم أو تصور عن الإله الخالق، فهذا المفهوم يتعدد بتعدد البشر، وهناك أديان تجعل هذا المفهوم المحور والأساس، مثل الأديان الإبراهيمية، وهناك أديان لا يحتل فيه هذا العنصر إلا جانبًا ثانويا، وهناك أديان تنكر هذا المفهوم إنكارا تاما، وهي مع ذلك أديان لانطباق التعريف العام للدين على مجمل معتقداتهم وما يلزمون أنفسهم به.

ولكن يمكن انتظام ما لدى الناس من علمٍ بالأمور الدينية في مجموعات كبرى، ومجموعات فرعية.

والذي يجب تبيينه هنا هو الدين من حيث الاستعمال القرءاني، ومن حيث مفاهيم دين الحق.

فكلمة الدين تشير إلى علاقة بين طرفين يكون لأحدهما العلو والسلطان والحكم والإلزام والفضل والقهر والتأثير، ويكون للثاني الخضوع والانقياد والطاعة والإذعان والتأثر، لذلك كان من البديهي أن يكون الدين عند الله واحد؛ وهو الإسلام، فيجب التمييز بين مفهوم الدين بصفة عامة، وبين مفهوم الدين الملزم للناس عند ربّ العالمين، والذي ناط به نجاتهم وسعادتهم وكمالهم.

فالدين يتضمن كل واجبات العبد تجاه ربه الذي خلقه من بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، والذي أمده ويمده بكل أسباب بقائه دون طلبٍ مسبق منه، بل لا يمتنع عن ذلك حتى وإن أخطأ عبده هذا في حقه، بل أنكر وجوده أو تمرد عليه أو جحد نعمته أو كذَّب بآلائه.

والدين هو كل ما ألزم الله تعالى به عباده وسيدينهم به، وسيحاسبهم على مدى التزامهم به، وكل عناصره هي بمثابة ديْن له عليهم يجب عليهم أداؤه وفاءً بحقه من حيث أنه هو خالقهم ورازقهم وممدهم بكل أسباب الوجود والبقاء، وهو أيضا ما سيحاسبهم عليه، فهو سبحانه ديَّان العباد، وما ألزمهم به هو لتحقيق مقاصد دينية هم المنتفعون أساسا بها، وهو يتضمن الأنواع الآتية:

  1. المقاصد الدينية والوجودية، وتتضمن إعلام الإنسان بما يريده إله الكون منه، وما يريد منه أن يكون عليه، وكلها لصالح الإنسان، فالله سبحانه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين.

  2. الأوامر الدينية، وتتضمن أوامر ونواهي، ومنها أركان الدين الكبرى.

  3. القيم الدينية العليا ومكارم الأخلاق.

  4. علوم غيبية تتضمن كل ما يعلو على مدارك الإنسان، يجب أن يدينوا بالإيمان بها، وهي لازمة لتحقيق المقاصد الدينية.

  5. نظام الحياة المرتضى له.

  6. ذكر الصفات الحسنة التي يجب أن يتحلى بها.

  7. ذكر الصفات الذميمة التي يجب أن يتطهر منها.

ويتضمن معنى الدين الحساب والجزاء، والمسلم ملزم بأن يؤمن بيوم الدين؛ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين، هذا اليوم هو يوم الحساب والجزاء، بمعنى أنه سيكون خالصا لذلك، وفيه يقول ٱلرَّحۡمَٰن:

{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَن}.

والإيمان بيوم الدين مترتب على الإيمان بالأسماء الحسنى الإلهية، فهو يعني إيمان الإنسان بأن ربه سيحقّ الحق ويحكم بالعدل بين كل الناس فيما اختلفوا فيه وسيقتص للمظلومين من الظالمين، وسيجزي كل إنسان الجزاء الأوفى، وبذلك يطمئن الإنسان، ويتطهر من دوافع الانتقام المخربة، فلا تكدِّر عليه صفو حياته، وينشغل عنها بالعمل على الرقي بنفسه.

والدين عند الله واحد، وهو الإسلام بكل صوره وتطوراته عبر العصور، فهو دين الفطرة، وهو الدين القيِّم، وهو الدين الذي بدأ بنوح عليه السلام، ثمَّ بدأ رسميا بإبراهيم عليه السلام وتضمنته صحفه وسُمِّي بملته، والمقصود بالبدء الرسمي وجود وثائق وأوامر ملزمة.

ثم أخذ هذا الدين ينمو بإرسال الأنبياء واحدا تلو الآخر، فبلغ ذروة بإرسال موسى عليه السلام بالقوانين والوصايا المجسدة للعدل، ثم أتى أنبياء بني إسرائيل واحدا تلو الآخر مجددين للشريعة وداعين إلى مكارم الأخلاق ومشيرين إلى عالم الباطن والوجدان، ثم بلغ الدين ذروة كبرى بإرسال المسيح عليه السلام الذي أكد على عالم الباطن وجوهر الدين وحقيقته، وكان عنوان رسالته الرحمة والمحبة، ثم بلغ الدين ذروة كماله برسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ التي عنوانها الحق والكمال، والجامعة للعدل والرحمة والمحبة ومكارم الأخلاق، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم، وخُتِمت النبوة وتمَّ استخلاف الإنسان في الأرض.

والإنسان مطالب بالتدين حتى يتحقق بعناصر الدين فيكون ديِّنا، وتكون ممارسة مقتضيات الدين منهجا له في حياته فيسعد بذلك ولا يكدر عليه صفوها خوف أو أية مشاعر محبطة، فهو يكون على ثقة من أنه يأوي إلى ركن ركين.

والدين بمفهومه الحقيقي يشمل كل جوانب الحياة، فهو منهج حياة للإنسان كفرد وللجماعة وللأمة، ولكل ما يمكن أن يستجد من كيانات إنسانية، وهو الحكمة التي هي مطلب الفلاسفة، وهو يتضمن أيضًا الحكمة العملية التي يجب أن يمارسها الإنسان، كما يحدد علاقة الإنسان بأصل الوجود وحقائقه العظمى.

وعلى سبيل المثال فإن لبّ مقاصد الدين هو إعداد الإنسان الرباني الفائق الصالح المفلح، وهذا يستلزم العمل على صيانة الجسم الإنساني وتنميته بالطريقة العلمية الأمثل وعلاجه وتنمية قدراته وإمكاناته إلى المدى الأقصى، وكل ما يؤدي إلى ذلك هو من عناصر هذا الدين، وليس بمعزلٍ عنه، وليس لأحد أن يقول مثلا: "إن جسم الإنسان فانٍ، فلا يجوز الانشغال به، وإنما يجب حصر الاهتمام في أمور الاخرة، أما كل ما يتعلق بالجسم مثل ضرورة معرفة مكوناته فلا يتعلق به غرض شرعي"!!! وكان مثل هذا الاعتقاد مما أودى بهذه الأمة، فإنه يجب على الأمة أن تعتني بسلامة وقوة أجسام أبنائها، فذلك من لوازم زيادة قوة الأمة، وعلى كل إنسان أن يعمل على صيانة وتنمية جسمه من حيث أنه مستخلف فيه ومسؤول عنه، وأهم ما يجب تزكيته الملكات الإنسانية العليا، وأهم ما يعوق تقدم الشعوب المحسوبة على الإسلام تسلط المذهب الأعرابي الأموي عليها، وهو ألد أعداء الملكات الإنسانية العليا.

ودين الحق يتضمن أفضل ما في الفلسفة، فمن أركانه العظمى وأموره الكبرى الملزمة للفرد: استعمالُ الملكاتِ الذهنية والحواسِ الإنسانية للنظرِ في الآيات الكونية والنفسية وفي الوقائع التاريخية ولفقهِ واستيعابِ السنن الإلهية والكونية والإفادةِ منها ولتحقيق المقاصد الدينية والوجودية، وهذا يتضمن التفكير في خلقِ السماوات والأرض والنظر في كيفية بدأ الخلق وفي كيفية خلق المخلوقات وفي كونها على ما هي عليه وفي عواقب الأمم الخالية.

وبالإضافة إلى ذلك من مقاصد دين الحق تزويد الإنسان بالعلم الذي يمكنه من اتصال أوثق بالحقائق والتعايش معها وتذوقها، وهو يقدم للإنسان ما يلزمه من إجابات عن الأمور الغيبية التي هي فوق مستوى إدراكه وتصوراته، ويفتح له أبواب العلم بها.

وهو يستعمل كل ما لدى الإنسان من كيانات ولطائف وملكات ويؤدي إلى التزكية المتزنة للكيانات الإنسانية ويقدم للناس قوانين أخلاقية وشرائع ملزمة يحترمها الإنسان بسبب دوافع ذاتية دونما حاجة إلى رقابة خارجية، وهو يقدم للناس كافة مناهج للتزكي والرقي والتقدم وأنماطا سلوكية تتوافق مع ما فطروا عليه.

وطبيعة الدين ديناميكية وخلاقة، وله مقاصده وغاياته، كما أن ممارسته هي بالأصالة عمل إبداعي، ولممارسته بالضرورة ثمارها.

ويجب القول هنا بأن أمورا مثل الرهبانية والزهد السلبي والتماوت والإعراض عن خوض أمور الحياة بقوة وايجابية ليست من دين الحق في شيء، بل هي مجافية تماما لروح الدين الإسلامي ولا تؤدي إلا إلى إفراغه من مضمونه الحقيقي وإبطال مقاصده.

أما من أراد أن يعرف كيف يكون المسلم فلينظر إلى السابقين الأولين من أهل القرن الأول الذين لم يبدلوا تبديلا، والذين أدركوا أن الأرض كلها جعلت للمسلم مسجدا وطهورا، فهم الذين كان كل عمل أقدموا عليه عبادة خالصة لله تعالى، ولم يلحق بهم جزئيا إلا الصفوة من أهل الغرب الذين ساروا في الأرض لينظروا كيف بدأ الخلق وتحلوا بشجاعة القلب والعقل واقتحموا بلا خوف ولا وجل كافة المسالك والمجاهيل وخاضوا بحار الظلمات غير هيابين، ونظروا إلى الإبل ليدركوا كيف خلقت وإلى السماء ليدركوا كيف رفعت وإلى الجبال ليعرفوا كيف نصبت وإلى الأرض ليعرفوا كيف سطحت وتركوا للمسلمين كل خرافات وأساطير الأولين وكل ما هو كفيل بالقضاء على أعتي الأمم ومنع إحيائها.

ويجب الإقرار بدور الفلسفة في الرقي بالفكر الإنساني وتعميقه وتزويده بالدقة اللازمة والمنهجية الصارمة وبالنظرة العقلانية والموضوعية وتطهيره من الأهواء والأمور الذاتية، فنشر الثقافة الفلسفية من الوسائل الناجحة للتصدي للجهلوت والكهنوت والتعصب وللرقي بالكيان الإنساني على ألا يغفل الإنسان عن محدوديتها التي تمليها طبيعتها.

*******