حرف الحاء

حدثوا عنِّي وليس عن بني إسرائيل

أثناء مناقشة مع أحد الدكاترة المعروفين بتدينهم الشديد حدث ما يلي:

سألته ما هو رأيك في بني إسرائيل؟ قال: وهل هذا سؤال وأخذ يكيل لهم ما جادت به قريحته من كل أنواع السباب، قلت له: وهل يصح أن نأخذ عنهم أي شيء يتعلق بالدين وهل يمكن أن يأمرنا الرسول بذلك؟ صاح: كيف ذلك؟ أنأخذ ممن حرفوا كتابهم ودينهم؟ كيف يأمرنا أن نأخذ عنهم وقد استمر يحاربهم طوال فترة وجوده في المدينة كما أن القرءان يلعنهم؟ وانطلق يكيل لهم المزيد من التجريح والسباب.

قلت له: فما رأيك في المروية الواردة في صحيح البخاري: (حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد أخبرنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية عن أبي كبشة عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)، هاج وماج وقال: لا يمكن أن يوجد شيء كهذا في البخاري، قلت: هل أنت متأكد؟ قال: نعم، جئنا بالبخاري على شبكة المعلومات، وطبعنا له المروية، صبّ جام غضبه على النت وعلى من اخترع النت، وطلب أن يرى المروية في كتاب حقيقي مطبوع.

جئنا له بكتاب البخاري الحقيقي المطبوع، ورأى المروية فذُهِل وانصرف واجما، رأيته بعد عدة أيام، قلت له: لم تخبرني برأيك، قال: أما زلت تثير اللغط؟ "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" يعني (اشتموهم زيّ ما انتم عايزين)، قلت له: ولكن جاء في مروية أخرى: "حدثوا عني"، لاذ بالصمت الرهيب ثم حملق وانصرف.

والحق هو أن العبارة "حدثوا عني ولا حرج" وردت في مرويات أخرى، وهي العبارة التي يجب أن تحل محل "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" لأن الحديث كله عن الرسول، لنقرأ النص الأصلي الصحيح: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عني (وليس عن بني إسرائيل) ولا حرج ومن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار"، فذلك هو المنطق السليم، فهو يسمح لهم بالحديث عنه بشرط ألا يكذبوا عليه، فلا محل لبني إسرائيل هنا، ولماذا يأمر رسول الإسلام من آمن به أن يحدثوا مطلقًا عن بني إسرائيل ودون أدنى تحفظ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!

ويلاحظ أن النص الأصلي لم يكن يحتوي على كلمة "متعمدا" وإنما تم إقحامها عمدا للسماح للمتحرجين والوضاعين أن ينسبوا ما لديهم للرسول (دون حرج)، فهذه الكلمة أبطلت مفهوم وفحوى النهي، ولقد فتحت العبارة "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" أبواب الجحيم على المسلمين، ولا شك أن من صنع هذا التحريف الخطير قد تلقى رشوة ضخمة!!!!!!!!

قال الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عني ولا حرج ومن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار"، هذا إذن عام من الرسول بأن يحدثوا عنه مع التحذير الشديد من الكذب عليه، هذا ما أراده الرسول، ولكن البخاري أو رواته أرادوا أمراً آخر؛ لذلك بدلا من "حدثوا عني" كتب البخاري أو من حرَّف المروية "حدثوا عن بني إسرائيل" كما أدرجوا اللفظ "متعمدا" ليلغي مفعول الحديث، اقرءوا البخاري:

 [ 3274 ] حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد أخبرنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية عن أبي كبشة عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار

دار النشر: دار ابن كثير، اليمامة مراجعة: د. مصطفى ديب البغا، بلد النشر: بيروت س.النشر: 1987م-1407هـ، عدد الأجزاء : 6

والآن يا من ابتلي بكم الإسلام، هل من سنة الرسول -التي هي عندكم الوحي الثاني الحاكم والقاضي على القرءان والحكمة التي كانت تُتلى في بيوت زوجات النبي- التحديث عن بني إسرائيل بلا حرج، أي دون قيد أو شرط؟ ألستم بذلك تعطون لأعداء الإسلام أمضى سلاح ضد الإسلام والحجة لإثبات وتأكيد زعمهم بأن الإسلام نسخة محرفة من اليهودية؟؟؟ هل في سبيل البخاري يتم تحطيم أفضل ما في الوجود الإنساني؟؟

بالطبع كان هذا هو التحليل المنطقي على هدي من روح الدين وأسسه، ثم وجدنا في (صحيح مسلم) الدليل الدامغ على صحة هذا التحليل، جاء في (صحيح مسلم):

         3004 حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

"لَا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ قَالَ هَمَّامٌ أَحْسِبُهُ قَالَ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ".

أرأيتم؟ "حدثوا عني ولا حرج، وليس: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، وبالطبع كان كلام الرسول واحدا، ولكن لمَّا لم يُدوَّن في حينه، تذكر كل واحد من الحضور ما فقهه وعبر عنه بألفاظه، ثم تعرض الكلام للتحريف الواضح المذكور الذي أدى إلى نقل كل أساطير بني إسرائيل إلى التراث الإسلامي، وأصبح المسلمون أشد إيمانا بها من بني إسرائيل أنفسهم، أما حديث البخاري المحرف فقد تلقته الأمة على مدى القرون بالقبول ولم يعلم رجال الدين خلافا بين المسلمين ولا أهل هذا الفن على صحته بصورته المحرفة إلى   أن ظهر رجل غير متخصص في القرن الخامس عشر ليزعج الناس وليشككهم فيما استقروا عليه!!!!!

والعبرة إنما هي بما حدث على مدى التاريخ، لقد أخذوا عن بني إسرائيل وحدثوا عنهم ونسبوا تراثهم إلى الرسول وتبنوا أساطيرهم بحجة أنها سنته.

والسؤال هل جرؤ أحد النقاد الجهابذة على تفنيد هذا الجزء من مروية البخاري؟؟ والإجابة معروفة وماثلة، لم ولن يجرؤ واحد ممن تلقوا تعليما (دينيا) تقليديا أن يتصدى لمثل هذه المفتريات تصديا جادا حاسما.

*******