سورة الكهـف

سورة الكهف 110

{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110]

الآية تثبت بشرية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، وهذا لا يقلل من قدره، بل يرفعه، ذلك لأن للإنسان مداه الذي لا يتناهى سموا ورقيا، فهو قابل للسمو إلى أعلى مراتب القرب من ربه والتحقق بأعلى مراتب الكمال، وهذا ما تحقق للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، هذا في حين أن لكل ملك مقامه المعلوم، فحقيقة الإنسان تجعله قابلًا للترقي إلى ما لا يتناهى من المقامات، أما الملائكة فلكل واحد منهم مقامه المعلوم، وهو قابل للترقي بقدر ما يسمح به مقامه.

وهو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ يتفوق على الناس بأن الله تعالى اصطفاه ليوحي إليه روحًا من أمره هو الرسالة الخاتمة والكتاب المبين، وهذا يتضمن ثناءً عليه، ذلك لأن الله سبحانه أعلن أنه أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ، كما أعلن أن من لم يرضَ بالحكم الإلهي والتقدير الإلهي في هذا الأمر يكون قد أجرم وأنه سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ.

والآية تحذر أيضًا أولئك الذين يريدون نفي البشرية ومقتضياتها عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، فمن يحاول ذلك هو في الحقيقة يقلل من قدر الإنسان الذي خلقه الله تعالى وكرمه وحمله في البر والبحر وفضله على كثير من خلقه تفضيلا وجعله آية من آياته وجعل فيه الكثير من آياته.

والآية تبين صفات من كان يَرْجُو بالفعل لِقَاء رَبِّهِ، فهو يَعْمَلْ عَمَلا صَالِحا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا، فمن لم يجد في نفسه هذه الصفات فليعمل على علاج خلل نفسه ومداواة مرضه وإلا فليعلم أنه متلاعب.

وهي بذلك تبين أيضًا أن الوصول إلى أعلى الدرجات منوط بالعمل الصالح والتطهر من الشرك.

كذلك فإن من كان يَرْجُو بالفعل لِقَاء رَبِّهِ حقًّا وصدقًّا فليعمل بمقتضى أوامره التي أنزلها في كتابه.

والآية تنص على الاسم الإلهي "الواحد"، وهو يأتي عادة إما مقترنًا بالاسم "الإله"، وإما في المثنى "الواحد القهَّار".

والآية تقتضي من الإنسان الإخلاص لله والتطهر من كافة ضروب الشرك.

والنصّ على بشرية الرسول يتضمن تنديدًا بمن يرفضون الهدى من المجددين والمصلحين لمجرد انحجابهم ببشريتهم ولرفضهم أن يتميز عليهم بشرٌ مثلهم، وهم بذلك يتبعون سنن من كفروا من قبل، ولقد تحدث عنهم القرءان في آيات منها:

{قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِين}[إبراهيم:10]، {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُون}[الأنبياء:3]، {فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِين}[المؤمنون:24]، وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) ، {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26)} القمر.

والنصّ على بشرية الرسول يتضمن أيضًا تنديدًا بموقف من غلوا في أمر سدنة مذاهبهم فزعموا لهم صفاتٍ إلهية، فظلموهم بذلك، واعتدوا على حقوق ربهم، ومسلك هؤلاء الغالين هو من ضروب الشرك التي نهت الآية عنه، فالشرك من أركان منظومة الصفات الشيطانية.  

*******