سورة الحشر

سورة الحشر 2

سورة الحشر 2


{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ (2)}

لقد أتى اللَّهُ تعالى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ، ولكن لم يرَ أحد منهم الذات الإلهية، أما الذي أتاهم في العالم المشهود فهو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ والمسلمون إذ فوجئ بنو النضير بهم أمامهم.

وكان عزم المسلمين الظاهر على القتال هو السبب المباشر للرعب الذي ملأ قلوبهم، والله سبحانه استخدم المسلمين كآلات لتنفيذ ما حكم به وقضى به، وكما كانوا نوابا عنه في الفعل فإنه جعل من نفسه نائبا عنهم في القول، فهم كانوا آلاته لتحقيق مشيئته، فالفعل الذي حدث يُنسب إلى الله تعالى من حيث أنه كان تنفيذا لحكمه وتم بمقتضى قوانينه وسننه ومن حيث أن كل فعل هو في الحقيقة له، كذلك ينسب إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ  والمؤمنين من حيث أنهم أرادوا من أعماق قلوبهم تنفيذ ما قضى به ربهم، فالله تعالى هو الذي قضى بإخراج بنى النضير بعد تآمرهم على الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وكان ذلك من مقتضيات مشيئته التي استخدم المسلمين كآلات لتحقيقها، ولذا فالفعل ينسب بالأصالة إليه، ذلك لأن الفعل ينسب أساسا إلى الفاعل لا إلى الآلة المستخدمة، ولكن لما كانت الآلات المستخدمة هنا بشرا لديهم إرادة حرة واختيار وقد قبلوا بمحض اختيارهم النابع من استعداد أصيل لديهم القيام بما أسند إليهم فإن ذلك الفعل ينسب إليهم أيضا.

ولقد اقتضت السنن الإلهية أن من يصدر عنه فعل بمحض اختياره فإنه يكون محلا للنتائج والآثار المترتبة عليه، ولذا فإن ثواب هذا الفعل عائد عليهم، وبالنظر إلى ما سبق فإنه يجب العلم بأن إراداتهم الجزئية كانت تفصيلاً للإرادة الإلهية المطلقة والكلية وأن الله سبحانه قد ابتلى هؤلاء بهؤلاء لتحقيق ما يريد من إظهار كمالات الوجود.

وقد حاولوا جعل قوله سبحانه: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} برهانا على مشروعية وحجية القياس، وما ذلك إلا لأنهم قالوا بهذا القياس دون استنادٍ إلى نص قرءاني قطعي الدلالة ثم حاولوا ليّ عنق الآيات لتدل عليه وتعطيه حجيته المفتقدة، ومن أسباب ضلالهم وزيغهم هذا تصورهم أن الدين مدونة قانونية لا عبرة فيها إلا للمظاهر والشكليات بحجة أنها أمور منضبطة، وكان عليهم أن يفسروا هذا الجزء من الآية في إطار الآية التي ورد فيها، إن مجال العبرة هو ما آل إليه أمر بنى النضير من جراء كفرهم وخيانتهم وتآمرهم وسوء أفعالهم، أما العبرة التي يمكن لأولى الألباب أن يستخلصوها من الوقائع الظاهرة أمامهم فهي السنة الإلهية التي ترتب على سريانها ما حاق بهؤلاء، وكانت خطيئتهم الكبرى ظنهم السيئ بالله تعالى فسلط عليهم المؤمنين فجاءوهم وحاصروهم وقهروهم.

ولقد نسب الله سبحانه فعل المجيء المذكور وما ترتب عليه إلى نفسه لأنه تم بأمره وبمقتضى قوانينه وسننه وبإرادته ورضاه، فالأفعال التي نسبها الله تعالى إلى نفسه تُنسب إليه كما يليق به لا كما يتصور الأطفال والمشبهة والمجسمة والسلفية، فالسنة التي يجب اعتبارها هنا هو أن كل من أساء الظن بربه بأن ظن مثلاً أنه يمكن أن يمتنع عليه فسيأتيه الله تعالى من حيث لا يحتسب وسيستدرجه وسيسلط عليه من يقتص منه، أما لماذا أمر أولو الأبصار بالاعتبار فذلك لأن السنن الإلهية لا تبديل لها ولا تحويل فما حاق بهؤلاء يمكن أن يحيق بغيرهم إذا ما فعلوا مثل أفعالهم، والمراد بالأبصار هنا الملكات الذهنية الباطنة.

*****