سورة القلم

الرمز (ن)

يشير إلى خزانة النعم الإلهية المعنوية والمادية، وهي حلقة تحيط بالوجود كله، فكل نعمة تؤدي إلى نعمة في حق الصالحين، وقد تكون نقمة على الضالين والكافرين.

ومن النعمة تلك الكمالات التي يكتسبها العباد الصالحون فيكون لهم كل خلق عظيم، ويقابل ذلك سوء أخلاق من يتصدون لهم، فبرفضهم نعمة الله وفضله ورحمته يجلبون النقمة على أنفسهم، ذلك لأن الخلق العظيم يستفز الأخلاق الدنيئة لدى المستعد لها وتدفعه إلى التصدي لمن كان على هذا الخلق العظيم، وهذا من لوازم أن جماع كل ما هو غير وسوي هو العدم المطلق.

فمن اكتسب كمالا عظيما فسيجتذب إلى نفسه وإلى فلكه كل من لديه شيء من هذا الكمال، وسيثير ضده كل من كان لديه النقص المقابل والمناظر، وكل من سيكتسب كمالا فسينجذب إلى من لديه الكمال الذاتي المطلق.

وهذا الرمز يشير إلى القوانين الحاكمة على مثل هذه الأمور والسنن السارية في كل ما سيترتب على ذلك من مظاهر، ويشير أيضا إلى نسق من السنن يقتضي عقاب من حاول إمساك النعم الإلهية عن الناس، ذلك لأن قوانين الله وسننه اقتضت أن يستخدم كل إنسان كآلة لإيصال الرزق إلى آخرين، وعلى الإنسان أن يتوافق مع قوانين الله وسننه.

فهذا الحرف إشارة إلى نعمة في حق الصالحين ونقمة في حق الكافرين، فمن مظاهر النعمة في حق الرسول أن له أجرًا غير ممنون وأنه على خلق عظيم، وتلك النعمة تقتضي أن تكون هنالك نقمة على كل من حاول التصدي لمن أنعم الله عليه.

وهذا الرمز هو أيضا نقمة على كل من كفر بالنعمة أو حاول إخفاءها والاستئثار بها لنفسه وحرمان الناس حقهم فيها، فما يشير إليه هذا الحرف يقتضي ألا يتساوى المسلم بالمجرم وأن يكون النعيم للمتقين وأن يستدرج بالمكذبين وأن يكون لهم منه سبحانه الكيد المتين.

أما صاحب الحوت فلقد تداركته نعمة من ربه إذ كان من المتقين المسبحين فاجتباه ربه وجعله من الصالحين، ويلاحظ أن الحوت أيضا اسمه نون؛ فلا مهرب للعبد من إحاطة نون، ولقد حاول صاحب الحوت الفرار منها فكان جزاؤه أن أحيط به في مظهر ضيق من مظاهرها ثم بسبب تسبيحه وتوبته وإقراره بذنبه خرج من ضيقها إلى سعتها وهي النعمة الواسعة والتي ترتب عليها إيمان قومه ونجاتهم من عذاب الخزي في تلك الدنيا.

فبفضل الله ورحمته خرج من نون النقمة إلى نون النعمة، ولكن كان عليه أن يقدم سببا، ولقد قدم إبداء الندم والإقرار بالذنب والتسبيح، فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.

والسورة كلها شرح وتفصيل لهذا الرمز ومقتضياته ومظاهره.

*****